السيد محمد باقر الصدر
26
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
والفارق بين الملاحظة والتجربة : هو الفارق بين من يدرس ظاهرة البرق - مثلًا - بملاحظة البرق الذي تحدثه الطبيعة في سيرها الاعتيادي ، ومن يدرسه بملاحظة الشرر الكهربائي الذي يثيره في تجاربه ويخلقه في معمله الخاصّ . وكلّ منهما يسير في اكتشافه للقانون الطبيعي للبرق - عن طريق الملاحظة أو التجربة - وفق الطريقة الاستقرائيّة في الاستدلال . فالدليل الاستقرائي إذن يبدأ دائماً بملاحظة عدد من الحالات أو خلقها بوسائل التجربة التي يملكها الإنسان ، ويبني على أساسها النتيجة العامّة التي توحي بها تلك الملاحظات أو التجارب . والمنطق الأرسطي حين عالج الاستقراء لم يميّز - بصورة أساسيّة - بين الملاحظة والتجربة ، وأراد بالاستقراء كلّ استدلال يقوم على أساس تعداد الحالات والأفراد . وعلى هذا الأساس قسّم الاستقراء إلى كامل وناقص ؛ لأنّ تعداد الحالات والأفراد وفحصها إذا كان مستوعباً لكلّ الحالات والأفراد التي تشملها النتيجة المستدلّة بالاستقراء ، فالاستقراء كامل . وإذا لم يشمل الفحص والتعداد إلّاعدداً محدوداً منها ، فالاستقراء ناقص . وقد انطلق المنطق الأرسطي في تحديد موقفه تجاه الاستقراء من تمييزه هذا بين الاستقراء الكامل والاستقراء الناقص ، فاتّخذ من كلّ واحد من هذين القسمين موقفاً خاصّاً . ونحن إذا قارنّا مفهومنا عن الاستقراء بالمفهوم الأرسطي ، نجد أنّ الاستقراء في مفهومنا لا يمكن أن يقسّم إلى استقراء كامل واستقراء ناقص ؛ لأنّنا نريد بالاستقراء كلّ استدلال يسير من الخاصّ إلى العامّ ، والاستقراء الكامل لا يسير من الخاصّ إلى العامّ ، بل تجيء النتيجة فيه مساوية لمقدّماتها ، كما رأينا في المثال الثاني للاستنباط الذي قدّمناه سابقاً ، ومن أجل ذلك يعتبر الاستقراء